أفلوطين
235
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
تكون واحدة بعد أخرى . فإن كانت في دفعة واحدة فكلّها معلول واحد . وإن كان بينها تفاوت ، ألزمنا العلة الجور ونفينا عنها العدل . وإن كانت المعلولات واحدة بعد أخرى ساغ أن يكون بعضها ذا قشور وبعضها غير ذي قشور . وأقول : إن من علم الحسّ والمحسوس يمكن أن يدرك العقل والمعقول . وأوّل المعرفة في الحسّ والمحسوس أن يعرف حدودهما ، فإن الحسّ قوة تتشكل بضروب المحسوس بتغيّر ولكن بغير فساد . فالحاسّ روحاني ، والمتوسّط جسماني . والحسّ المشترك واحد وكثير : واحد في ذاته ، وكثير في آلاته ومدركاته ، ويلقى كثيرا من قشور المحسوسات . وقوة التخيّل ، إذا صار إليه ما في الحسّ المشترك ، ألقت أيضا كثيرا من القشور . فإذا صار إلى القوة [ 174 ] العقلية ألقت قشوره كلها فحينئذ يتحد العقل والمعقول . فإذا كان المعقول مفارقا للمادة بذاته ، فإن العقل يتحد به . ففي ذوات القشور يحتاج العقل في إدراكها إلى تجريدها من قشورها وتجريد نفسه من المادة وعوارض المادة . وفي الأمور المفارقات للمادة إنما يحتاج أن يجرد ذاته من عوارض المادة . فأما العقل الأول فإنه مجرد عن المادة ومنزّه عن آثارها ، فلذلك هو واحد الذات متوحّد الصفات . والمعقولات كلها فيه بنوع وحدة : فإذا أراد إدراك الأشياء رجع إلى ذاته فرأى الأشياء كلها بنوع اتحاد . فالصناعة إذا أرادت إبراز ما عندها من الصّور احتاجت الأجرام فيظهر سرير وكرسىّ وحروف وأشكال وأصنام كثيرة . ومن أراد أن يعقل ذلك ألقى قشور الأجرام فحجبها فصارت روحا عقليا ، كما كانت أولا وحينئذ لا زمان ولامكان . فالأشياء كلها في النفس بنوع اتحاد ، فإذا أرادت إبرازها بواسطة الطبيعة احتاجت إلى الآلات الجسمانية . فإن تناولها العقل جرّدها فعادت إلى التوحد والبساطة . ونقول : قد نصب لنا سلّم ، وجعلت مراقيه الفضائل والخيرات . ولا يقدر أن يرتقى عليها إلا من رفض عنه جميع الحواس واعتاض عنها بالحواس الباطنة الخمس التي أنا ذاكرها : أولها : الفكر الصافي من الأدناس ؛ والثاني : التصور للصور الروحانية ، ويلقى عنه الصور الجرمية ؛ والثالث : الذي يذكر لباب الأشياء لا عناصرها ؛